هل السعودية الأولى عالمياً في وفيات حوادث المرور ؟

هذا السؤال الذي أجاب عنه الكثير بالعديد من الأجوبة المختلفة ولكن أين هي الحقيقة بين جميع هذه الأجوبة وأبن نقع مقارنة بدول العالم. كثير من الناس يبالغون في هذا الرقم فمنهم من يستقي هذه الأرقام من الأماكن الخاطئة وإدارة المرور لا توضح أرقام الوفيات بشكل صريح إلا نادراً. قد نعزو السبب الرئيسي لإنتشار هذه المعلومة لأحد المقاطع الفيديوية التي انتشرت بشكل واسع لجودة إخراجها وأنصح الجميع بمشاهدته (إرهاب الشوارع) إلا أن الفيديو احتوى على بعض المعلومات والحسابات غير الدقيقة فقد ذكر في المقطع أن عدد الوفيات في عام 2009م هو 6,485 وفاة وبذلك يكون هناك حالة وفاة كل 40 دقيقة ولكن لو تم الحساب بشكل صحيح لكان هناك وفاة كل 80 دقيقة. وذكر أيضاً أن المملكة الأولى عالميا في حوادث المرور وهذا غير صحيح حسب التقارير العالمية. وكان من المفترض أن يتم تصحيح هذه المعلومات من قبل المسؤولين إلا أني فؤجئت بأن حتى المسؤولين ينقلون نفس معلومات المقطع كما هي دون تصحيح للآسف (رابط الخبر). وللآسف أن المعلومات أصبحت منتشرة في البرامج التلفزيونية وعلى مواقع الانترنت بشكل واسع جدا.

أين تجد المعلومات الصحيحة بالنسبة لوفيات حوادث السيارات ؟

 كل دولة لديها سجلها الموثق في حوادث السيارات وطريقة تسجيل المعلومات أثناء حوادث السيارات. هناك بعض الدول تعتبر أي شخص توفي خلال سنة من حادث السيارة أنه وفاة حادث سيارة ولكن أغلب الدول تعتبر أن من يتوفي خلال ثلاثين يوم من حادث السيارة أنه حادث وفاة سيارة.

 الورقة التي يقوم فيها الشرطي بتسجيل معلومات الحادث هي من أهم الوسائل التى تساعدنا على فهم حوادث المرور. حتى أن الإتحاد الأوروبي يدرس توحيد هذه الورقة لكي تساعد الجميع على فهم و تقليل حوادث المرور. معلومات السيارات والسائق والراكبون وأماكن الحوادث ونوع الطريق وغيرها من المعلومات جميعها تساعد على أن ندرك مكامن الخطر بل وتساعدنا على إدراك معلومات وإستنتاجات عميقة. فمثلاً هل هناك موديل معين من السيارات ضعيف جدا في حال الإصطدام من الخلف وأن ذلك قد يسبب حوادث مرور جسيمة أو أن هناك نوع معين آخر ربما يكون سليم للسائق والراكب ولكنه خطير للأطفال في المقاعد الخلفية… وغيرها من الأمور التي قد لا تظهر إلا بجمع معلومات العديد من الحوادث. فلاننسى أن الحادث رغم أنه حادث مأساوي إلا أنه أيضاً اختبار حقيقي للسيارة المستخدمة. ومطالبات توحيد ورقة التسجيل تصل إلى توحيد المصطلحات أيضاً فربما معنى كلمة “إصابة بسيطة” في دولة تختلف عنها في دولة آخرى.

 ولنعد إلى سؤالنا وهو أين تجد المعلومات الصحيحة بالنسبة لوفيات حوادث السيارات لدول العالم والجواب أنه ليس هناك للآسف جهة عالمية مختصة بالمرور قائمة على هذا الموضوع ولكن ستجد أفضل مصدر للمعلومات هو منظمة الصحة العالمية والتي لديها العديد من الإحصائيات لدول العالم في وفيات حوادث المرور بل أنها وضعت استراتيجات وحلول جاهزة لكي تطبقها دول العالم لكي تنجح في خفض حوادث المرور.

 قد يتسأل البعض ولماذا تتدخل منظمة الصحة العالمية في حوادث المرور والسبب أن منظمة الصحة العالمية جاء إهتمامها بشكل غير مباشر . فالمنظمة مهتمة بصحة الإنسان وأحد مباحثها هو أسباب الموت لدى الإنسان واكتشفت المنظمة أن حوادث المرور هو أحد المسببات العشرة الأولى لموت البشرية وقد احتل المركز التاسع في عام 2004م ويتوقع أن يصل إلى المرتبة الخامسة في عام 2030م.

ومن هذا المنطلق بدأت منظمة الصحة العالمية إهتمامها الكبير بحوادث المرور وجمع الإحصائيات والأرقام من جميع دول العالم ودراسة الواقع ووضع الحلول لكثير من أسباب حوادث المرور . فقامت بإصدار تقرير تحليلي في 2004 عن حوادث السيارات وأسبابها ووضعت خطط استراتيجة وحلول كاملة واقترحتها على كل الدول التي تريد تقليل عدد وفيات حوادث المرور.

 ومن ثم أصدرت تقارير إحصائية لحوادث المرور عن كل الدول المشاركة في منظمة الصحة العالمية وكان أول تقرير إحصائي في عام 2009م ومن ثم صدر التقرير الثاني في عام 2013م . طبعاً واجهت المنظمة مشكلة أثناء جمعها للأرقام من الدول وذلك بأن بعض الدول تقلل من أرقام الحوادث لديها لكي لا تتأثر السياحة لديها أو أن الدولة لا تملك جهة رسمية مهتمة بجمع هذه الإحصائيات حول حوادث المرور. ولذلك قامت منظمة الصحة العالمية بالتعديل على أرقام بعض الدول وذلك إعتمادأ على عدة عناصر وهذ التعديل بدراسة بحثية فالباحث قد يستطيع إستنتاج الأرقام المقاربة للحقيقة بعد الإطلاع على بعض المعلومات. من أهم هذه المعلومات هو عدد السيارات ونوعها في الدولة والطول الإجمالي للطرق و مدى قوة تطبيق القانون في هذا الدولة وتوجهات الدولة والميزانية المرصودة لإدارة المرور وغيرها من العناصر التي تساعدك في التحقق من رقم حوادث السيارات. فدولة ذات ميزانية ضعيفة لإدارة المرور و ذات ضعف في تطبيق القانون ولا تملك قوانين للمشاة والدراجون ولا تملك وسائل نقل عام يتوقع أن يكون عدد وفيات حوادث المرور لها عالي. وقد قامت المنظمة بالتعديل على أرقام المملكة العربية السعودية في التقرير الأول ولكنها قبلت أرقامها في التقرير الثاني.

وسنذكر لاحقاً بعض الأرقام المهمة بالنسبة لحوادث السيارات ولكن دعونا نجيب على السؤال التالي قبل ذلك.

ما هو المعيار لقياس حوادث المرور والمقارنة به مع الدول الآخرى؟

على سبيل المثال لو أخبرتك أن النرويج لديهم ثلاثة آلاف حالة وفاة سنوياً بسبب حوادث المرور وبريطانيا لديها أربعة آلاف حالة وفاة سنوياً فقد تعتقد أن النرويج هي أفضل في التقليل من حوادث المرور ولكن عندما تعلم أن سكان بريطانيا أكثر من ستين مليون وأن سكان النرويج أقل من ستة ملايين تكتشف أن بريطانيا أفضل بالنسبة لعدد سكانها. وهذا أيضاً قد يسير على المقارنة بالنسبة لعدد السيارات داخل الدولة أو الطول الإجمالي للطرق وهذه الأرقام قد تستخدم أحياناً في البحوث ولكن الرقم الرئيسي الذي يستخدم في حساب عدد الوفيات لدى أغلب المنظمات هو مقارنة عدد الوفيات بالنسبة لإجمالي السكان. ولكي يكون الرقم أكثر سهولة في المقارنة فقد أختاروا أن يذكر عدد الوفيات مقارنة بالنسبة لمائة آلف من السكان. بمعنى أن يذكر عدد الوفيات التي تحدث لكل مائة آلف من سكان الدولة وبذلك يكون الرقم أكثر سهولة للمقارنة بين الدول. وللمعلومية أن المتوسط العالمي للوفيات في عام 2009م هو 20.8 وفاة لكل مائة آلف نسمة.

الآن بعد أن علمنا مصدر المعلومات لحواداث المرور والمقياس الرئيسي لحوادث المرور دعونا نلقى نظرة مختصرة على دول العالم وذلك إستسقاءاً من التقارير الإحصائية.

نظرة إلى دول العالم وأين تقع السعودية ؟

في تقرير عام 2009م كانت دولة أريتريا هي أول دولة في العالم بالنسبة لكثرة عدد الوفيات فقد كانت هناك 48.4 وفاة لكل مائة آلف ومن ثم يليها جزر كوك بـ 45 وفاة لكل مائة آلف ومن ثم مصر بـ 42 وفاة لكل مائة آلف ومن ثم ليبيا بـ 40.5 وفاة لكل مائة آلف. وقد احتلت الإمارات المركز التاسع بـ 37.1 وفاة لكل مائة آلف أما السعودية فقد كانت في المركز التاسع والثلاثين بـ 29 وفاة لكل مائة آلف.

بينما كانت أفضل دولة في قلة عدد الوفيات هي جزر مارشال بمعدل 1.7 وفاة لكل مائة آلف ويعود ذلك لأن عدد سكانها حوالي ستين آلف فقط ولكن هناك دول كبرى أحتلت المراكز الأولى أيضاً فمثلاً السويد أحتلت المركز الثاني بمعدل 2.9 وفاة لكل مائة آلف وبريطانيا السادس بمعدل 3.59 وفاة لكل مائة آلف واليابان المركز الثامن بمعدل 3.85 وهولندا تاسعا بمعدل 4.1 وعاشر ألمانيا بمعدل 4.5 .

وكما ذكرنا أن متوسط المعدل العالمي لجميع دول العالم في ذلك العام هو 20.8 وفاة وبذلك تكون السعودية أعلى من المعدل العالمي وجاء ترتيبها في المركز التاسع والثلاثين من أصل أكثر من 180 دولة.

في عام 2013م انسحبت دولة أرتيريا وليبيا من الاستبيان البحثي وذلك لأنه تم تعديل أرقامها في التقرير السابق وهناك أكثر من دولة لم تشارك أيضاً.وقد إنخفض المعدل العالمي قليلاً ليصل إلى 18 وفاة لكل مائة آلف.

كانت جمهورية الدومينيكان هي أول دولة في العالم بالنسبة لكثرة عدد الوفيات فقد كانت هناك 41.7 وفاة لكل مائة آلف ومن ثم يليها تايلندا بـ 38.1 وفاة لكل مائة آلف ومن ثم فنزويلا بـ 37.2 وفاة لكل مائة آلف. وقد احتلت عمان المركز التاسع بـ 30.4 وفاة لكل مائة آلف أما السعودية فقد كانت في المركز العشرين بـ 24.8 وفاة لكل مائة آلف أقل من المعدل السابق في عام 2004 والذي كان 29 وفاة مع العلم أن معدل الوفيات العالمي في 2013 كان 18 وفاة لكل مائة آلف نسمة. والملاحظ أن الإمارات أصبح معدلها 12.7 وفاة لكل مائة آلف بعد أن كان معدلها 37.1 وفاة في عام 2009م وهي من أفضل الدول التي حققت تحسن ملحوظ في تخفيض عدد الوفيات.

بينما كانت أفضل دولة في قلة عدد الوفيات هي سان مارينو حيث لا وفيات حوادث لديهم ويعود ذلك لأن عدد سكانها حوالي ثلاثين آلف فقط ولكن كانت هناك دول كبرى أحتلت المراكز الأولى أيضاً فمثلاً النرويج أحتلت المركز الرابع بمعدل 2.9 وفاة لكل مائة آلف والسويد المركز الخامس بمعدل 5.1 وفاة لكل مائة آلف.

الخلاصة

أن المملكة العربية السعودية لم تكن يوما هي المركز الأول في العالم في وفيات الحوادث كما يعتقد الكثير بل أنها لم تحتل حتى المراتب العشرة الأولى. ولكن لا يلغي ذلك فداحة حوادث المرور لدينا فإلى يومنا هذا ما زلنا أعلى من المتوسط العالمي لحوادث المرور ويعتبر الرقم عالي جدا بالنسبة لدولة غنية مثل السعودية.

 في هذا المقال نظرنا إلى السعودية من الخارج بالنسبة إلى دول العالم في حوادث المرور وفي مقال قادم سننظر إلى السعودية من الداخل لنرى أكثر المناطق خطورة داخل السعودية.

المراجع الرئيسية:

1. World report on road traffic injury prevention 2004

هذا المرجع متوفر باللغة العربية وهو أول تقرير تحليلي شامل لتحليل حوادث المرور وأسبابها ويضع العديد من الإستراتيجات والحلول التى تساعد الدول على خفض وفيات حواث المرور. في رأي الشخصي هذا التقرير كافي لأي دولة تريد بالفعل أن تخفض وفيات حوادث المرور وهو رائع جدا في التحليل ووضع الأسباب والحلول.

2. Global status report on road safety – time for action 2009

هذا المرجع هو أول تقرير إحصائي لحوادث المرور لعام 2009م في جميع الدول المشاركة في منظمة الصحة العالمية

3. Global status report on road safety – time for action 2013

هذا المرجع هو ثاني تقرير إحصائي لحوادث المرور لعام 2013م في جميع الدول المشاركة في منظمة الصحة العالمية

شارك :

المزيد

نبذة عن الكاتب

مهندس مدني تخرجت من جامعة الملك فهد وحصلت على ماجستير إدارة المشاريع الهندسية من جامعة ليدز ببريطانيا. أعمل في القطاع الخاص وأعيش في جدة وقد دخلت العقد الثالث من عمري

مقالات ذات صلة

أترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.