مشاريع النقل العام في المملكة قد لا تنجح … وهذه الأسباب

تخيل معي أنك تنجز جميع أمورك الحياتية بإستخدام المترو الموجود في مدينتك ولنفترض أنك ما زلت عازب وليس لديك أي مسؤوليات عائلية لإيصال الأبناء للمدارس أو زوجتك للعمل،  فأنت تستيقظ صباحاً وتتهيئ بملابس العمل لكي تذهب إلى أقرب محطة مترو لديك. توقف معي هنا وتخيل كيف ستكون رحلتك.

الآن وبعد أن تخيلت رحلتك إلى محطة المترو أو محطة الباص فلتتفكر ماهي الأسباب التى قد تجعلك تتخلى عن القيادة بسيارتك الخاصة واستخدام وسائل النقل العام بدلا عنها ؟

وستجد أن إجاباتك ستنحصر في محورين مهمين. المحور الأول هو أن الرحلة مريحة وآمنة منذ لحظة خروجك من البيت إلى وصولك لمنطقة العمل. والمحور الثاني هو أن الرحلة أفضل إقتصادياً من ناحية إنفاق المال أو أنها ستوفر عليك الكثير من الوقت للوصول إلى عملك.

مشاريع النقل العام في المملكة حالياً سوف تقام في الرياض وجدة ومكة وتشمل الباصات والمترو. وهي المقصودة في هذه المقالة

الآن دعونا نبدأ بسرد الأسباب التى قد تؤدي للفشل والتي تتفرع من المحورين السابقين:

1- المشي والأجواء

يجب أن نعلم أنك عندما تستخدم وسائل النقل العام فلابد أنك  ستكون في حاجة للمشي لمسافة معينة فالمترو لن ينشئ محطة بجانب بيت كل واحد منا وبجانب أعمالنا وهكذا محطات الباصات.

وكما هو معلوم فيجب على كل مدينة أن توفر مسارات معبدة للسيارات لكي تسير عليها ويجب أن تتصف هذا المسارات بمواصفات معينة وأن توفر أدوات لتنظيم هذا السير مثل الإشارات الكهربائية والتقاطعات والمطبات وغيرها. وهكذا يجب أن تحترم مسارات المشي للناس وأن تخطط بشكل دقيق فيجب أن يكون الرصيف واسع لكي يستوعب أكثر من شخصين يسيرين بإتجاهين مختلفين وحتى إن كان هذا الشخصين يدفعان عربة أطفال أو أنهما من ذوي الإحتياجات الخاصة. وأن يكون الرصيف مستوى على طول الطريق فليس هناك إرتفاعات أو إنخفاضات مفاجئة وحتى إن وجدت إصلاحات فيجب توفير طريق بديل للمشاة. والمواقع التي يتقاطع فيها طريق المشاة مع طريق العربات يجب أن تكون مجهزة ومعتنى بها بالتوضيحات والوسائل الميسرة مثل خطوط المشاة وجسور المشاة وأجهزة تنبيه المشاة في الإشارات وغيرها.

كل ما سبق هو حديث نظري والواقع شئ آخر فأنا عندما أخرج من بيتي أجد رصيف العمارة غير مستوي وغير مريح للمشي وقد أصبح موقف للسيارات حيث أن السيارات تقف فوق الرصيف لكسب الظل. ومن ثم أسير لرصيف العمارة المجاورة لأجده ضيقاً جداً حتى لشخص واحد بل وتجد أن هناك من استطاع أن يزرع شجرة في هذا الرصيف الضيق. وأنتقل للعمارة التى بعدها لأجد العمارة بدون رصيف وإنما أرض ترابية. وأنتقل للعمارة التى بعدها لأجد أن العمارة تحت الإنشاء وليس هناك رصيف بل أن المقاول أخذ جزء من الشارع أيضاً … وهكذا. حتى تجد نفسك أنه من الأسهل أن تسير في الشارع بجانب السيارات وبهذا يصبح مسار السيارات والمشاة مساراً واحدأ وهو ما يخالف المبادئ الأساسية لهندسة المرور. وماذا ستفعل لو احتجت لتجاوز شارع رئيسي وليس به جسر للمشاة أو خطوط محترمة للمشاة. فقد تحتاج للانتظار طويلاً لتجاوز السيارت وربما تضطر للجري لتجاوز الشارع.

كثير من المدن الكبيرة أعلنت أنها صديقة للمعاقين منذ سنين وذلك يعنى بأنها ستأخذ في أنظمتها للأرصفة أشد المعايير مثل المزالق في الأرصفة ودرجة ميل الرصيف ولكنها للآسف لا تطبق لذلك.

وأضف إلى هذه النقطة محور آخر وهو الجو المناخي لمدننا فالأجواء حارة بالعموم وليست مشجعة للمشي أبدأ

فبذلك أنت تتهيئ بكامل هندامك للخروج للعمل لتجد نفسك تسير أحياناً فوق التراب وأحياناً بجانب السيارات وأحياناً قد تضظر للجري لتجاوز الشارع وهذا كله يحدث في أجواء حارة. ولتتخيل نفسك عند وصولك للعمل.

إذا أراد الشخص أن يستخدم وسائل النقل العام فسيكون المشي جزء دائم في هذه الرحلة.  وإن عدم إحترامنا وتجاهلنا للمشاة وللمبادئ الهندسية في مشاريعنا الماضية سيكون له تأثير كبير على نجاح مشاريع النقل العام.

أختم هذه النقطة بأن تجربة المشي في مدننا غير ممتعة أبدأ

2- سعر البنزين ( توفير المال )

استخدام وسائل النقل العام هو ليس قرار ترفيهي بل هو قرار إقتصادي في المقام الأول. من منا لا يريد أن يصل إلى عمله بتكلفة أقل ووقت أسرع. والأغلب أن يكون القرار إقتصادي من ناحية المال وليس من ناحية الوقت. فلن تجد أسرع من سيارتك الشخصية للتنقل إلا إذا كنت في مدينة مزدحمة جداً وقد بنيت بنظام مركز المدينة (City Center) فهذا قد يجعل تنقلك بوسائل النقل العام أسرع.

أحد أسباب نجاح مشاريع النقل العام في الدول الآخرى هو علو تكلفة استخدام السيارة الشخصية. فبعض الدول تفرض ضرائب سنوية على مستخدم السيارة فهناك ضريبة السيارة وهناك ضريبة الطريق وتكلفة التأمين. وربما يكون السبب الأعلى لعلو تكلفة تملك سيارة هو سعر البنزين فسعر البنزين في إمريكا هو ما يقارب خمسة أضعاف سعره في السعودية وفي بريطانيا قد يقارب عشرة أضعاف السعر. ولذلك يعتبر استخدام وسائل النقل العام ضرورة شخصية لكي يتجنب جميع هذه التكاليف.

قد تحتاج هذا النقطة إلى دراسة لإكتشاف من هم الأشخاص الذين سيسخدمون وسائل النقل العام وما هي معدلات الدخل لديهم والتي تجعلهم يضطرون لإستخدام وسائل النقل العام. ولكن قد يكون من الواضح لدي الجميع أن تملك سيارة في السعودية واستخدامها هو ليس خيار مكلف مادياً فبمجرد تملكك للسيارة لن تجد تكلفة دائمة مرافقة لإستخدامك السيارة غير البنزين والسعودية تعتبر ثالث أرخص دولة تبيع البنزين حالياً.

هذان السببان الرئيسيان التى قد تؤدي لفشل مشاريع النقل العام وسأذكر فيما يلي عدة أسباب فرعية

3- توفير الوقت

ولنفترض أنك هناك مجموعة كبيرة قادرة على استخدام سيارة خاصة فلن يجذبهم لإستخدام وسائل النقل العام سوى توفير الوقت وراحة الرحلة. أن تكون رحلتك بوسائل النقل العام هي أسرع من سيارتك هي حالة صعبة ولن تتوفر إلا في مدينة شديدة الأزدحام جداً. فمثلا في لندن ونيويورك قد تجد حتى الوزراء يستخدمون المترو في تنقلاتهم لما فيه من توفير للوقت وليس لأنه أكثر إقتصادية.

وهذه تعبر المرحلة الثانية لنجاح مشاريع النقل العام وهي أن تكون أسرع من وسائل النقل الشخصية فالمرحلة الأولى أن تكون أكثر إقتصادية. لن تصل وسائل النقل العام هذه المرحلة إلا بتعاون عدة أنظمة آخرى. وسأذكر بعض هذه الأنظمة في النقاط القادمة.

4- المواقف

أحد أسباب استخدامك لوسائل النقل العام هو أن منطقة الوصول التي ستذهب إليها بسيارتك الخاصة لاتتوفر فيها مواقف لسيارتك لشدة الزحام أو تتوفر فيها مواقف مدفوعة. ولكن إذا لم يكن هناك أي احترام لمساحات الوقوف ويمكنك إيقاف سيارتك أينما أردت فهذا يقلل من استخدام الناس لوسائل النقل العامة.

5- مناطق الزحام

كثير من المدن المزدحمة تضع رسوم على السيارات لدخول المناطق المزدحمة بالمدينة فمثلاً لندن تضع رسم يومي ما يقارب الخمسة والخمسين ريالاً لدخول المنطقة المركزية في لندن. ومدن آخرى تضع رسوم على استخدام بعض الطرق. هذه الرسوم قد تجعل استخدام وسائل النقل العام خياراً أفضل للناس.

6- ثقافة الشعوب

كثير من المدن التى نجحت في استخدام وسائل النقل العام هي مدن قد اعتادت  شعوبها على استخدام هذه الوسائل على مدى عقود من الزمن وذلك لتكلفة البنزين العالية عندهم منذ القدم. ومترو دبي لا يخلو من هذه القاعدة فالمترو هناك لم ينجح إلا باستخدام الشعوب الآسيوية لهذا المشروع وهي شعوب اعتادت على استخدام هذه الوسائل في بلادها.

7-  نظام التحرش والآمان

وماذا عن بقية المجتمع من النساء والشباب والشابات الذين هم بالفعل لحاجة لمثل هذه الوسائل. هل سيكون من الآمن أن تخرج زوجتك إلى عملها وتذهب إلى محطة المترو بمفردها أو لأبنك أو لإبنتك وهم ذاهبين إلى مدارسهم أو إلى جامعاتهم. لا يوجد إلى الآن نظام خاص بالتحرش. وما زالت البلد مليئة بالكثير من العمالة المخالفة والتى قد تستخدم وسائل النقل العام بشكل كبير في حال توفرها. هل الطريق للوصول إلى محطات المترو والباصات سيكون آمن للنساء. هل هناك خوف من النظام في حال التحرش ممها كانت درجة التحرش صغيرة.

أخيراً

لو تأملت في جميع الأسباب الآنفة الذكر ستجد أنها جميعها أسباب خارجية وليست من داخل المشروع. لا يكفي أن يكون المشروع ناجح بحد ذاته بل يجب أن تكون البيئة التي سيتم وضع المشروع فيها ملائمة لنجاح هذا المشروع. للآسف أن بعض أفكارنا مشاريعنا تجلب من الخارج كحلول معلبة دون مراعاة للبيئة التي ستوضع فيها.

المستفيد الرئيسي من مثل هذه المشاريع ستكون العمالة ذات الأجور المنخفضة أما استفادة المواطن من هذه المشاريع المليارية ستكون شبه معدومة وقد تكون الاستفادة المرجوة للمواطن هي في تخفيف الزحام بشكل بسيط في الشوارع المزدحمة.

[polldaddy poll=8400888]

 

إذا لم يظهر التصويت في متصفحك … حاول الضغط على هذا الرابط المباشر للتصويت

 

تم نشر المقال في مجلة “المهندس” التابعة لهيئة المهندسين السعوديين وهنا رابط المقال في المجلة 

 

 

شارك :

المزيد

نبذة عن الكاتب

مهندس مدني تخرجت من جامعة الملك فهد وحصلت على ماجستير إدارة المشاريع الهندسية من جامعة ليدز ببريطانيا.
أعمل في القطاع الخاص وأعيش في جدة وقد دخلت العقد الثالث من عمري

مقالات ذات صلة

أترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.